يروي الشيخ ناصر المهجصي الزرنوقي، وعيناه مغرورقتان بمرارة الذكرى:
“بعد احتلال جيش الإمامة الزيدية لتهامة عام ١٩٢٩م، نقض الطاغية يحيى حميد الدين وابنه أحمد كل مواثيقهم، واستعانوا ببعض الخونة ليصلوا عبرهم إلى قادة المقاومة التهامية من الزرانيق، ثم غدروا بالجميع. اعتقلوهم واحدًا تلو الآخر، من بيوتهم، بليلٍ وبلا رحمة. من فرّ طاردوه، ومن قاوم قُتل هو وأولاده، كثير منهم قيدوا أنفسهم بأيديهم مع بعضهم حتى لا يفروا من مصيرهم. كانت كل الأحداث تُسجل. حتى أخبارهم داخل السجون كانت تصلنا عبر من يُسمح لهم بزيارتهم.

جدي، المقدمي العاقل عمر سالم المهجصي، كان من أولئك المعتقلين. سجنوه مع مجموعة من المقادمة في الهيجة، جهة الطرف اليماني للزرانيق. وكانت جدتي، مع بقية النساء، يحملن الزاد على ظهور الحمير، ويسافرن كل المسافة من بلاد الزرانيق في تهامة إلى سجن نافع في حجة. في أول سفرة وجدوهم أحياء، تحدثوا معهم، شدّوا على أياديهم. لكن في الزيارة التالية، عادوا ليجدوا أكثرهم قد ماتوا، وكان جدي رحمه الله من بينهم. بعضهم نجا، وخرج بعد سنوات من الأسر، ومنهم عبدالله الزرنوقي.
عبدالله الزرنوقي هذا، حمل في قلبه جراح الأرض، وسافر إلى المملكة العربية السعودية واستقر في مدينة جدة. ثم التحق بجيش الملك عبدالعزيز الذي أُرسل إلى فلسطين عام 1948، وقاتل هناك دفاعًا عن قضية عادلة أخرى. وبعد عودته، مُنح الجنسية السعودية وعُيّن مسؤولًا عن الكنداسة، بئر الماء التي كان الناس يجلبون منها الماء بالتنكة على الظهور. عرفته والتقيت به لأول مرة في جدة عام 1404هـ، وكان رجلًا محبوبًا، له مكانته، يخدمه الجميع. توفي رحمه الله بعد عامين في 1406هـ، ودفن جسده هناك، لكن روحه بقيت معلقة بتراب تهامة.

من المعتقلين من مات تحت التعذيب، ومنهم من قُتل بالسم. يُذكر أن “أم القيسي”، قائد جيش الطاغية يحيى حميد الدين في معركة الجلة الشهيرة، لما علمت أن ابنها الذي قتل في المعركة بقيادة المقدمي الشيخ محمد سعيد مقبول، وأن من قتلوه قد اعتُقلوا وتم نقلهم إلى سجن نافع بحجة، دسّت السم في الماء الذي كان يُنقل لهم للشرب. كانت تحترق بنار فقد ابنها، وتسكب تلك النار في الماء.

ذلك ليس إلا غيض من فيض ما عانته قبائل تهامة والزرانيق في مقاومتها لذلك الغزو الطائفي الزيدي الممتد الذي أراد أن يستبيح الأرض والكرامة. ما كُتب قليل، وما لم يُكتب أكثر، ففي سنوات المقاومة التهامية الطويلة والدامية تلك قصص خالدة من الشجاعة والبطولات وخناجر غائرة من الغدر والخيانات، وحكايا مؤلمة ومدعاة للفخر من الفقد والصبر والتضحيات. كلها تستحق أن تسطّر في مجلدات، وتُنتج عنها أفلام ومسلسلات تهزّ ضمير العالم بأسره.

‎#تهامة
‎#المقاومة_التهامية
‎#الزرانيق

أضف تعليق

Recent posts

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ