[المركز الإعلامي بالهيئة]
في لحظة خاطفة بأحد طرقات ريف عبس بمحافظة حجة، انقلبت حياة الشاب إسحاق محمد صالح، ابن الخامسة والعشرين، رأسًا على عقب، إثر حادث مروري مفاجئ اخترق فيه مقصٌّ حاد رأسه، في مشهدٍ كان فاصلاً بين الحياة والموت. غير أن يد القدر امتدت لتقوده نحو هيئة مستشفى الثورة بالحديدة، حيث لا يغفو الضمير، ولا تتأخر الاستجابة.
وصل إسحاق إلى مركز الطوارئ العامة والآلة الحادة ما تزال مغروسة في رأسه قرب عينه اليسرى، في مشهد صادم لا يُنسى. لم يكن يحمل شيئًا يغطي الجرح، ولم ترافقه أدوات إسعافية، بل وصل والموت يتربّص بملامحه، والغبار يعلو وجهه، والألم يختنق في أنفاسه.
بمجرد وصوله، بدأ الفريق الطبي التعامل معه بحذر بالغ نظراً لحساسية وضعه. جرى تثبيت العلامات الحيوية، وتأمين المجرى التنفسي، والسيطرة على النزيف الظاهر، دون الاقتراب من الأداة المغروسة، فكل حركة كانت محسوبة، وكل ثانية تُدار بخبرة يقظة ويدٍ لا ترتجف.
أُجريت له الفحوصات التشخيصية بشكل عاجل، لتكشف أن الجسم المعدني اخترق الجمجمة واستقر في منطقة بالغة الخطورة قرب الدماغ والعين، في وضعية دقيقة تتطلب تدخلاً جراحيًا فوريًا ومحسوبًا بدقة بالغة.
إزاء هذه المعطيات الحساسة، اتُّخذ القرار الحاسم بإجراء تدخل جراحي طارئ، إذ إن أي تأخير أو أدنى هامش خطأ قد يفضي إلى فقدان الحياة أو البصر. نُقل الشاب إلى غرفة العمليات، حيث كان في انتظاره فريق طبي متكامل يضم الدكتور علي شرف الدين استشاري جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري، والدكتور ردمان الحمادي استشاري جراحة العيون، والدكتورة بسمة الوشلي اخصائيه جراحة المخ والأعصاب.
لم تكن المهمة مجرد تدخل جراحي، بل اختبارًا حقيقيًا للخبرة والتنسيق والتكامل، حيث توجّب انتزاع أداة حادة مغروسة في الجمجمة دون أن يُمسّ الدماغ أو العين. وسط أجواء مشحونة بالتوتر والتركيز، نجح الفريق الجراحي في أداء مهمته باقتدار، حيث أُزيل المقصّ برفق، ونُظف الجرح بعناية فائقة، مع الحفاظ التام على سلامة الدماغ والعين. خرج إسحاق من غرفة العمليات كمن وُلد من جديد، يحمل شهادة حياة كتبتها مباضع الأمل ووقّعها ضمير الإنسانية.
نُقل المريض إلى مركز العناية المركزة، حيث وُضع تحت الرعاية الطبية الدقيقة وبعد يومين من المتابعة المستمرة، ليُنقل لاحقًا إلى قسم الرقود الجراحي، وسط رعاية حثيثة من كوادر الهيئة الذين أدّوا واجبهم الإنساني والمهني دون تردد أو تقصير.
وتعليقاً على هذا الإنجاز، أكد الدكتور خالد أحمد سهيل – رئيس الهيئة، أن هذه العملية تُعد محطة مضيئة في سجل النجاحات الطبية للهيئة، وتجسيدًا حيًّا لجاهزية الكوادر وتراكم الخبرات، مشيراً إلى أن ما تحقق يُظهر بوضوح حجم التطور الذي بلغته الهيئة، والقدرة المتنامية على التعامل مع أكثر الحالات خطورة وندرة.
وأضاف الدكتور سهيل أن الهيئة باتت اليوم مؤهلة لتنفيذ تدخلات جراحية معقدة لم تكن ممكنة في الأعوام الماضية، بفضل التجهيزات الحديثة والكفاءات الطبية المتخصصة التي تم استقطابها وتأهيلها.
من جانبه، أوضح الدكتور علي شرف الدين – رئيس الفريق الجراحي أن الحالة كانت بالغة الخطورة، نظرًا لوجود جسم معدني حاد داخل الجمجمة، وعلى مقربة من العين والدماغ، ما أثار مخاوف جدّية من إصابة العين أو أحد الأوعية الدموية الحيوية المغذية للدماغ، مؤكدًا أن نجاح العملية دون أي مضاعفات يُعد إنجازًا طبيًا استثنائيًا.
وأشار الدكتور شرف الدين إلى أن التكامل بين الجراحين، والكوادر التمريضية، والفنيين، كان حجر الزاوية في هذا النجاح، مشددًا على أن الروح الجماعية والعمل المنظم هما ما أتاح إنقاذ الشاب من موتٍ محقق.
فمن بين أصوات الأجهزة، وهمسات الأطباء، ونبضات الرجاء… خرجت الحياة تمشي على قدميها من جديد.
إن ما جرى لم يكن مجرد عملية جراحية، بل ملحمة إنسانية مكتملة الأركان. من استقبال الحالة الطارئة، إلى غرفة العمليات، مرورًا بالعناية المركزة، وانتهاءً باستعادة المريض لوعيه ومشيه على قدميه. إنها قصة تُضاف إلى سجل الفخر، وتشهد بأن المعجزات لا تصنعها الظروف، بل الإرادة.


أضف تعليق